Skip to content Skip to footer

طريق الحرير الرقمي يضمن السيادة والتقدم الرقمي لدول الجنوب العالمي

بقلم حسين العسكري

يُقدّم طريق الحرير الرقمي لدول الجنوب العالمي بديلاً للنظام الرقمي الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا الغربية الكبرى. تواجه دول الجنوب العالمي تحديين رئيسيين: تأمين التحول الرقمي والتكامل من جهة، والدفاع عن السيادة الرقمية والأمن السيبراني والاستقلال التكنولوجي من جهة أخرى.

باعتبارها الدولة الأكثر تطوراً رقمياً في الجنوب العالمي، تُقدّم الصين منصةً رئيسيةً لشركائها في مجموعة البريكس+ وخارجها عبر طريق الحرير الرقمي، في الوقت الذي تخطو فيه دول الجنوب العالمي الأخرى خطواتٍ جادة نحو السيادة الرقمية. وستُسهم القدرات المُجتمعة لهذه الدول في بناء إطار حوكمة رقمية عالمية أكثر عدلاً وشمولاً خلال العقد القادم.

تُمثّل البنية التحتية الرقمية لمجموعة البريكس+ نظاماً واسعاً ولكنه غير متكافئ، تشكّل بفعل التوسع السريع والتفاوتات الهيكلية. وتستضيف هذه الدول مجتمعةً نسبةً كبيرةً من مُستخدمي الإنترنت العالميين، وتستثمر بكثافة في الأنظمة الرقمية كأساس للنمو الاقتصادي والاستقلال التكنولوجي. مع ذلك، تكشف المؤشرات الكمية عن تفاوتات واسعة في نضج أنظمتها الرقمية: إذ تتراوح نسبة انتشار الإنترنت من حوالي 70% في الهند إلى أكثر من 80% في الصين ونحو 90% في روسيا. أما سعة مراكز البيانات فهي أكثر تفاوتًا. فبينما تستضيف الصين مئات مراكز البيانات الضخمة (مع مرافق طرفية أكثر) وتقترب من 40 جيجاوات من السعة، لا تزال أسواق الهند والبرازيل في نطاق 1 إلى 2 جيجاوات – وهي فجوة هائلة تؤكد ريادة الصين في بناء البنية التحتية لعصر الذكاء الاصطناعي.

لا تُعد هذه التفاوتات مجرد فجوات تنموية، بل تعكس نقاط ضعف استراتيجية. فالاختلافات الشاسعة في نضج البنية التحتية تخلق سلسلة تبعية داخلية، حيث يعتمد الأعضاء الأقل تجهيزًا حتمًا على ممرات رقمية خارجية، غالبًا ما تكون خاضعة لسيطرة الغرب، وخدمات الحوسبة السحابية لنقل البيانات عالميًا. هذا الاعتماد على السعة الرقمية الخارجية من قبل أعضاء مجموعة بريكس+ يُقوّض فعليًا الهدف الجماعي المتمثل في السيادة الرقمية.

إن إمكانات النمو الهائلة للمشهد الرقمي لمجموعة بريكس+ لا تعتمد على التحديثات الوطنية المعزولة، بل على التكامل المنسق – بناء روابط الألياف الضوئية المباشرة ومرافق الحوسبة السحابية المشتركة بين الدول الأعضاء لتجاوز نقاط الاختناق الخارجية وتحويل التنوع الداخلي إلى مزايا تكاملية.

يمثل العمود الفقري المحلي للألياف الضوئية وطبقة الاتصال الدولية تحولاً استراتيجياً في البنية التحتية الرقمية لدول البريكس+. فبدلاً من تقليل الاعتماد على مسارات الإنترنت العالمية – وهو أمر مستحيل عملياً نظراً لطبيعة تدفقات البيانات عبر الحدود – تعزز هذه الاستثمارات السيادة الرقمية من خلال تنويع المسارات وتقليل الاعتماد على البنية التحتية التي تسيطر عليها جهات خارجية. ومن خلال بناء كابلاتها البحرية ووصلاتها الأرضية والتحكم بها، تكتسب دول البريكس+ استقلالية أكبر في توجيه البيانات، ومرونة محسّنة في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية، والقدرة على إدارة تدفقات بياناتها الداخلية الهائلة دون التعرض لمخاطر التأخير والمراقبة التي تنطوي عليها مراكز العبور التقليدية.

في هذا السياق، يمكن لمبادرة طريق الحرير الرقمي، التي أطلقتها الصين رسمياً عام 2017، أن تلعب دوراً حاسماً في سد الفجوات. فمقارنةً بالنماذج الغربية القائمة على استغلال النفوذ، والتي تفوق تكلفتها أضعافاً مضاعفة وبالتالي لا يستطيع تحملها غالبية السكان والشركات في الجنوب العالمي، تساهم مبادرة طريق الحرير الرقمي في تحرير الخدمات الرقمية حيث يمكن لجميع السكان الوصول إلى الخدمات الرقمية بأسعار معقولة. يُمكن لمبادرة طريق الحرير الرقمي أن تُنشئ منظومة رقمية سلسة وعابرة للحدود تربط الصين بجنوب شرق آسيا، وآسيا الوسطى، وغرب آسيا، وأفريقيا، وأوروبا. وهذا من شأنه أن يُقلل تكاليف التجارة، ويُوسع نطاق التجارة الإلكترونية، وينشر التكنولوجيا المتقدمة. والأهم من ذلك، بالنسبة للعديد من الدول، تُمثل مبادرة طريق الحرير الرقمي فرصة لتجاوز المشهد الرقمي الذي تُهيمن عليه شركات التكنولوجيا الغربية الكبرى ونفوذها في إدارة التكنولوجيا العالمية، وكسر احتكاراتها من خلال توفير بدائل لعمالقة الحوسبة السحابية الأمريكية، الذين يُسيطرون على ما يقرب من ثلثي السوق. وتركز مبادرة طريق الحرير الرقمي على بناء بنية تحتية رقمية رئيسية، تشمل كابلات الألياف الضوئية البحرية والبرية مثل كابل الربط السريع بين باكستان وشرق أفريقيا، وشبكات الجيل الخامس التي تُعد شركات صينية مثل هواوي وزد تي إي (ZTE) رائدة عالميًا فيها، ومراكز البيانات وخدمات الحوسبة السحابية بقيادة علي بابا كلاود وتينسنت، والتجارة الإلكترونية وأنظمة الدفع الرقمي مثل علي باي، وتقنيات المدن الذكية، والذكاء الاصطناعي والملاحة عبر الأقمار الصناعية كبديل لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) مدعوم بنظام بيدو (BeiDuo).

إنّ مبادرة طريق الحرير الرقمي ليست مجرد فكرة، بل هي واقع يشكّل بالفعل ملامح التكنولوجيا والتجارة وحوكمة الإنترنت على مستوى العالم. وقد استفادت دول مجموعة البريكس+ منها بالفعل، وتحقق العديد من الدول الأفريقية قفزات نوعية في تغطية الاتصالات والإنترنت والخدمات الرقمية، مثل أنظمة الدفع الرقمي في القارة التي تعاني من محدودية الوصول إلى الخدمات المصرفية. وعلى صعيد الحوكمة، تُروّج مبادرة طريق الحرير الرقمي لنموذج حوكمة إنترنت وسيادة إلكترونية تشاركية تتمحور حول دور الدولة، وهو ما يتناقض تمامًا مع النهج الغربي والشركات الخاصة الاحتكارية المهيمنة عليه.

يمثل طريق الحرير الرقمي نموذجًا بديلًا للتعاون الدولي في تطوير البنية التحتية الرقمية العالمية. وفي إطار هذا التعاون، تُصبح الدول قادرة على التفاوض بشأن شروط التدريب التقني وبناء القدرات والابتكار المشترك بما يعكس التزامًا متوازنًا طويل الأجل. وفي نهاية المطاف، تتوافق رؤية طريق الحرير الرقمي بشكل وثيق مع تطلعات الجنوب العالمي والمنتديات متعددة الأطراف، مثل مجموعة البريكس+، نحو بناء نظام رقمي أكثر عدلًا وشمولًا. من خلال تيسير التطوير المشترك لبنى تحتية رقمية آمنة ومترابطة وذات سيادة، تدعم هذه المبادرة مستقبلاً يُتقاسم فيه التقدم التكنولوجي والحوكمة بالتساوي، مما يُسهم في بناء منظومة رقمية عالمية أكثر توازناً ومرونة.

المؤلف هو نائب رئيس معهد الحزام والطريق في السويد. وقد نشر هذا المقال في “تشاينا ووتش”، وهو مركز أبحاث تابع لصحيفة “تشاينا ديلي”. الآراء الواردة فيه لا تعكس بالضرورة آراء صحيفة “تشاينا ديلي”.

اترك تعليقا

the Kick-ass Multipurpose WordPress Theme

© 2026 Kicker. All Rights Reserved.

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[yikes-mailchimp form="1"]