في ضوء الواقع الجديد الذي أفرزه توسع مبادرة الحزام والطريق كنموذج ناجح لـ”السلام من خلال التعاون الاقتصادي”، وفشل الإدارة الأمريكية وإسرائيل مؤخرًا في تغيير النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر حرب عدوانية، برزت إمكانيات جديدة لـ”بنية أمنية” جديدة في منطقة غرب آسيا. وسيكون دور باكستان وإيران والسعودية ومصر وتركيا حاسمًا في تحقيق هذا الهدف.
“اتفاقيات محمد” مفهوم صاغه حسين العسكري، المحلل الاقتصادي والاستراتيجي ونائب رئيس معهد الحزام والطريق في السويد. وقد طرحه لأول مرة على التلفزيون الباكستاني في 14 يونيو/حزيران، عقب إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن التوصل إلى اتفاق لوقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. تطوّر مفهوم “اتفاقيات محمد” بعد توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي أنهت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الثانية على إيران (التي بدأت في فبراير 2026)، ووقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في 17 يونيو 2026. وقد لعبت باكستان ورئيس وزرائها شهباز شريف دور الوساطة الرئيسي في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار هذا.
يستند مصطلح “اتفاقيات محمد” إلى اسم نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يُحاكي “اتفاقيات إبراهام” التي أُطلقت خلال إدارة ترامب الأولى في سبتمبر 2020، بهدف تحقيق تطبيع كامل للعلاقات بين إسرائيل والدول العربية دون استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه، ودون إقامة حل الدولتين، الذي كان شرطًا أساسيًا لهذا التطبيع، والذي ورد في مبادرة السلام العربية لعام 2002. أُهملت اتفاقيات أبراهام نتيجةً للإبادة الجماعية التي شنّها الجيش الإسرائيلي في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد قوبل إصرار ترامب الأخير على انضمام السعودية وقطر وتركيا وباكستان إلى هذه الاتفاقيات بتجاهل تام من هذه الدول.
أما مفهوم “اتفاقيات محمد” فهو مستمد من تحليل عدة مؤشرات على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، ولا سيما منذ عام 2022:
- فشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الفترة 2025-2026، مما جعل القوة العسكرية الهائلة والعتاد الأمريكي عتيقًا، وذلك بفضل استخدام إيران لأنظمة أسلحة غير متكافئة، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والفرط صوتية. كما استغلت إيران الموقع الجغرافي، بإغلاق مضيق هرمز، كسلاحٍ فعّال لإجبار إدارة ترامب على إنهاء الحرب وتجنب كساد اقتصادي عالمي على غرار أزمة عام 1929، والذي سيُحمّل ترامب نفسه مسؤوليته.
- فشل الولايات المتحدة في الدفاع عن قواعدها العسكرية في الدول العربية و”حمايتها” من الهجمات الإيرانية. فقد أصبحت القواعد الأمريكية على أراضي هذه الدول عبئًا ومصدر خطر لها بدلًا من أن تكون مصدرًا للأمن. وهذا ما يدفع دول الخليج للبحث عن آليات أمنية بديلة.
- الدور الحاسم الذي لعبته باكستان ومصر وتركيا والسعودية وقطر في التوصل إلى هذا الحل السلمي، وإن كان مؤقتًا. وقد وضع هذا الدور هذه الدول، وخاصة باكستان، في موقع الوسطاء الموثوق بهم من قبل الدول المتنازعة. يمنحهم هذا نفوذاً، إلى جانب قوتهم العسكرية، لضمان مشاركة عادلة وبنّاءة لجميع الأطراف.
- التحول العالمي في موازين القوى الاقتصادية نحو الشرق والجنوب، ولا سيما نحو الصين، وتأييد وعمل دول المنطقة حول مبادرة الحزام والطريق كنموذج للتعاون والسلام من خلال التنمية. ويشمل ذلك أعضاء مجلس التعاون الخليجي وإيران، الأعضاء في المبادرة والموقعين على اتفاقيات تعاون استراتيجي شامل مع الصين. وقد نجحت السياسة الصينية القائمة على “التوحد والازدهار”، على عكس سياسة “فرق تسد” الأنجلو-أمريكية-الإسرائيلية، في تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في مارس 2023، لسد الفجوة الطائفية بين السنة والشيعة، وهي فجوة سطحية لكنها خطيرة. كما وقّعت الصين اتفاقيات تعاون استراتيجي شامل مع الجانبين في عامي 2022 و2023. وساهمت أيضاً (بالتعاون مع روسيا) في تقريبهم، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، من منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس التي أصبحت فيما بعد البريكس بلس. أكد المسؤولون الصينيون مرارًا وتكرارًا أن أمن المنطقة يجب أن يُدار من قِبل شعوبها، لا من قِبل قوى خارجية.
- فشل النموذجين الاقتصادي والأمني لدول الخليج.
من جهة، كان النموذج الاقتصادي القديم للدول المصدرة للنفط في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي يقوم على جمع العملة الصعبة التي تُستثمر في نمط حياة مترف. ونظرًا لصغر حجم سكان هذه الدول وانعدام الأنشطة الاقتصادية الحقيقية على أراضيها، فقد استُثمرت الموارد في أسواق وول ستريت ومدينة لندن، ومن قِبل جهات مالية ومصرفية فيها. وأصبح النظام المالي والمصرفي العابر للأطلسي، القائم على المضاربة، عبئًا على هذه الدول عندما انهار عام 2008. وبسبب اندماجها العميق في هذا النظام، اضطرت صناديق الثروة السيادية لدول الخليج إلى إنقاذ بنوك أمريكية وبريطانية وأوروبية لتجنب الإفلاس التام. كما أدى التراجع الاقتصادي العالمي الناجم عن الأزمة المالية عام 2008 إلى انخفاض أسعار النفط. بدأ النموذج الاقتصادي القديم بالانهيار بدءًا من عام ٢٠١٤ واستمر حتى عام ٢٠٢٣، عندما انخفضت أسعار النفط إلى ما دون ٦٠ دولارًا أمريكيًا للبرميل (وأحيانًا إلى ما دون ٣٠ دولارًا أمريكيًا للبرميل) خلال معظم تلك الفترة. وقد وضع هذا الدول في ضائقة مالية شديدة.
من جهة أخرى، استُثمر جزء كبير من عائدات النفط في أنظمة الأسلحة البريطانية والأمريكية، وأجهزة الأمن والاستخبارات، بزعم حماية هذه الدول من إيران وغيرها من المخاطر في جوارها. ووجهت موارد إضافية من دول الخليج وإيران لتمويل الحروب بالوكالة وعمليات تغيير الأنظمة في اليمن وسوريا وليبيا والسودان ولبنان والعراق. وأدى ذلك إلى مزيد من استنزاف الموارد وتفاقم انعدام الأمن في جميع الدول. كما انهار هذا النموذج الأمني الأخير مع الحرب الأخيرة على إيران، عندما تضررت الحماية الأمريكية بشكل كبير جراء الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
اضطرت دول المنطقة إلى التخلي عن نموذج الاعتماد على صادرات النفط كمصدر للدخل، والتوجه نحو تنويع مصادر دخلها من خلال التصنيع. أطلقت المملكة العربية السعودية رؤية السعودية 2030 لهذا الغرض. من جهة أخرى، أتاح فشل الحرب على إيران فرصة جديدة للتخلي عن نموذج “الحماية” الأمنية الأنجلو-أمريكية المكلف والفاشل.
- الإدراك إن غياب حل جيد للقضية الفلسطينية، ووجود إسرائيل مسلحة نوويا وأيديولوجيتها الصهيونية التوسعية، “إسرائيل الكبرى”، بالإضافة إلى سلسلة حروب تغيير الأنظمة في هذه المنطقة التي تشنها الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاؤهما، تشكل مجتمعةً التهديد الأكبر والحقيقي للسلام والأمن في المنطقة. يمكن حل الخلافات بين الدول الإسلامية بسهولة عبر الحوار لعدم وجود نزاعات حدودية أو صراع على إدارة الموارد. لكن القضية الفلسطينية لا يمكن حلها دون أن تتخلى إسرائيل عن أوهامها وتقبل إعادة الأرض التي تحتلها إلى الشعب الفلسطيني، حيث يمكنه إقامة دولته الفلسطينية وفقًا لقرارات مجلس الأمن الدولي واحترامًا للقانون الدولي. ويمكن تخفيف مخاوف إسرائيل الأمنية من خلال احترام جميع الأطراف للقانون الدولي وقبول التعايش السلمي. يجب التخلي عن وهم بقاء إسرائيل كـ”جنة ديمقراطية وسط غابة”. إن خطط تدمير جميع القوى العسكرية والديموغرافية الكبرى في المنطقة (سوريا، العراق، إيران، مصر، تركيا، والسعودية) لتأمين وجود إسرائيلي هو وهم خطير قد يؤدي إلى زوال إسرائيل نفسها. لا تزال مبادرة السلام العربية حلاً قابلاً للتطبيق يضمن أمن إسرائيل، ولكن بشرط استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه. ولهذا السبب لم تعد أي دولة عربية أو إسلامية تقبل الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام.
أهم ملامح اتفاقيات محمد
- سيتم توفير الأمن في الخليج العربي ومنطقة غرب آسيا الأوسع نطاقًا من خلال اتفاقيات وتفاهمات خاصة بين الدول الإسلامية في المنطقة. وباعتبارها أكبر القوى العسكرية، تستطيع باكستان وتركيا ومصر، عند الضرورة، تقديم ضمانات لدول مجلس التعاون الخليجي الأصغر حجمًا والمملكة العربية السعودية. وهذا يُغني عن وجود قواعد أمريكية وغربية أخرى مكلفة في المنطقة.
- ينبغي إنشاء منظمة جديدة في الخليج العربي تحل محل النادي الحصري لمجلس التعاون الخليجي، لتضم إيران والعراق واليمن. وينبغي أن يصبح الخليج العربي جسرًا يربط بين هذه الدول بدلًا من أن يكون جدارًا عازلًا. وستتولى هذه المنظمة أيضًا تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز.
- يجب على المؤسسات الدينية في هذه الدول بذل الجهود لإنهاء التشاحن السني الشيعي في المنطقة. كما ينبغي تعزيز حوار الحضارات لتقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب. لطالما كانت هذه المنطقة ملتقى ثقافات وحضارات العالم لآلاف السنين. وتُعد مبادرة الحضارة العالمية الصينية المقترحة منطلقًا مناسبًا.
- يجب أن يصبح “السلام من خلال التنمية الاقتصادية” هو القاعدة، وأن تُعطى الأولوية للاستثمارات الرامية إلى دمج أنظمة البنية التحتية في المنطقة، لا سيما النقل والطاقة والمياه. كما يجب أن تُعطى الأولوية لمبادرة الحزام والطريق، والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، وخطة الواحة لتخضير الصحاري وحل أزمة نقص المياه التي اقترحها معهد شيلر. وينبغي أن يُتاح لكل دولة الاستفادة من التكنولوجيا النووية المدنية. ويُرحب بمشاركة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والهند ودول أخرى في مشاريع التنمية الاقتصادية هذه، ولكن دون أي شروط جيوسياسية. وتوجد خطة لهذا النوع من التعاون العالمي في غرب آسيا وأفريقيا في تقرير خاص من 290 صفحة نشره معهد شيلر عام 2026، وشارك في تأليفه حسين العسكري وجيسون روس.
- ولكي تنضم إسرائيل إلى هذا الهيكل الأمني الإقليمي الجديد، عليها أن تُغير سلوكها ومعاملتها للشعب الفلسطيني وجيرانها. لم تكن اتفاقيات أبراهام اقتراحاً جاداً، إذ مثّلت سياسةً لتقسيم شعوب المنطقة بين أصدقاء إسرائيل وأعدائها. وفي الوقت نفسه، كان الهدف منها طمس هوية ووجود الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. لم تكن اتفاقيات أبراهام يوماً وسيلةً لإحلال السلام في هذه المنطقة، والنتائج الماثلة امامنا خير دليل على ذلك.
لن تكون اتفاقيات محمد حكرًا على المسلمين فقط. ففي كل دولة إسلامية، تُصان حقوق الأقليات الدينية الأخرى، كاليهود والمسيحيين، بموجب القانون. وكان من الأنسب أن يُطلق اسم النبي إبراهيم، أبو الأديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، على السلام الديني والسلام بين شعوب هذه المنطقة. إلا أن إساءة استخدام هذا الاسم من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل، في سبيل تطبيق سياسة هدّامة ومثيرة للفتنة، تجعل استخدامه صعبًا في الوقت الراهن. والحقيقة أن دول المنطقة المعنية هنا ذات أغلبية مسلمة، وعليها أولًا أن تحل خلافاتها فيما بينها. لقد سعت الإمبريالية البريطانية، ثم الأمريكية لاحقًا، جاهدةً لأكثر من قرن لتقسيم هذه الدول وإضعافها. وقد آن الأوان، من أجل شعوبها والعالم أجمع، أن تتحد هذه الدول حول بنية إقليمية وأمنية واقتصادية جديدة.

